الجملة العربية وتأليفها
تمهيد:
لقد اختلفت تعريفات الجملة والكلام، بين علماء
اللغة والنحاة، فنجد قسم من النحاة ذهب إلى القول بأن الجملة والكلام هما مصطلحان
لشيء واحد، فالكلام هو الجملة، والجملة هي الكلام، وهذا ما ذكره ابن جني )ت 392ه( في كتابه
"الخصائص" وتابعه عليه الزمخشري )ت 538ه( في كتابه
" المفصل " وقد جاء في " الخصائص ": " أما الكلام فكل
لفظ مستقل بنفسه مفيد لمعناه وهو الذي يسميه النحويون الجمل نحو: "زيد أخوك
وقام محمد"، وقال الزمخشري في "المفصل": " الكلام هو
مركب من كلمتين أسندت إحداهما إلى الأخرى وذلك لا يأتي إلا في اسمين كقولك: زيد أخوك وبشر صاحبك أو في
فعل واسم نحو قولك: ضرب زيد وانطلق بكر ويسمى الجملة ".[1]
كل واحد من الزمخشري وابن جني لا يفصل في بين
الكلام والجملة، وفي المقابل نجد تعريفات اخرى تفصل بين الكلام والجملة.
ذهب القسم الثاني من النحاة إلى ان الجملة
والكلام مختلفان، فشرط الكلام الإفادة ولا يشترط في الجملة أن تكون مفيدة وإنما
يشترط فيها إسناد سواء أفاد أم لم يفيد، فالجملة أعم من الكلام إذ أن كل كلام مفيد
وليس كل جملة مفيدة،[2]
بينما نجد في " التعريفات " إن الجملة: "عبارة عن مركب من كلمتين أسندت
إحداهما إلى الأخرى سواء أفاد مثل قولك: زيد قائم، أو لم يفد كقولك: ان يكرمني
فانه جملة لا تفيد إلا بعد مجيء جوابه فتكون أعم من الكلام مطلقا".[3]
وجاء في "المغني": "الجملة عبارة عن الفعل وفاعله: كـ )قام زيد(،
والمبتدأ وخبره: كزيد قائم وما كان بمنزلة أحدهما نحو: ضُرب اللِّص وأقائم الزيدان
وما كان زيد قائما وظننته قائما" ثم ذكر أنها أعم من الكلام إذ شرطه الإفادة
بخلافها ولهذا تسمعهم يقولون جملة الشرط، جملة الجواب، جملة الصلة وكل ذلك
ليس مفيدا فليس بكلام.[4]
وكلام "المغني" لا يختلف عما في "التعريفات"
فانه ذكر المسند والمسند إليه بحقيقتهما
النحوية، وهما الفعل والفاعل والمبتدأ والخبر وما كان بمنزلة أحدهما.[5]
يتبين من هذه التعريفات أن الجملة العربية
والكلام مختلفان في الإفادة، لا يشترط في الجملة العربية الإفادة، بينما يشترط في
الكلام العكس، الجمل العربية التي تكون مفيدة تعتبر كلام، والجمل العربية غير
المفيدة لا تعتبر كلام.
تأليف
الجملة العربية:
ورد في كتاب الجملة العربية تأليفها وأقسامها
لصالح السمرائي أن: «تتألف الجملة من ركنين أساسيين هما: المسند والمسند
إليه وهما عمدة الكلام ولا يمكن أن تتألف
الجملة من غير مسند ومسند إليه كما يرى
النحاة، وهما المبتدأ والخبر وما أصله مبتدأ وخبر، والفعل والفاعل ونائبه، ويلحق
بالفعل اسم الفعل».[6]
يتبين من قول فاضل صالح السمرائي ان لابد
للجملة العربية من مسند ومسند إليه، سواء كان فعلا وفاعلا، أو مبتدأ وخبر.كما ورد
في كتاب الجملة العربية لحسين منصور الشيخ: «ينظر النحاة إلى المسند
والمسند إليه على أنهما عماد الجملة، ولذلك أطلقوا عليها مصطلح )العمد( لأنها
اللوازم للجملة، والعمدة فيها، والتي لا تخلو منها، وما عداها فضلة يستقل الكلام
دونها».[7]
تتكون
الجملة العربية من مسند ومسند إليه، وهما الأساس في الجملة العربية وإضافة إلى هذين
العنصرين قد نجد الفضلة في بعض الجمل. «فالمسند إليه هو المتحدث عنه أو المحدَّث عنه بتعبير سيبويه،
ولا يكون إلا اسما وهو المبتدأ الذي له خبر، وما أصله ذلك والفاعل ونائب الفاعل،
والمسند هو المتحدث به أو المحدَّث به ويكون فعلا واسما، فالفعل هو المستند على
وجه الدوام ولا يكون إلا كذلك، والمسند من الأسماء هو خبر المبتدأ وما أصله ذلك،
والمبتدأ الذي له مرفوع أغنى عن الخبر نحو: " أقائم الرجلان " فـ
"قائم" مسند و"الرجلان" مسند إليه وأسماء الأفعال».[8]
المسند إليه في الجملة الفعلية هو الفعل
أو نائبه، أما في الجملة الاسمية فهو المبتدأ، أما المسند إليه في الجملة العربية هو الفاعل وما شابهه، وفي
الجملة الاسمية فهو الخبر. ولقد ذكر الفراء المسند والمسند إليه في "معاني القرآن"
فقال في هذه الجملة العربية: )ضقت به ذرعا(، فالفعل
للذرع، لأنك تقول: ضاق ذرعي به، فلمَّا جعلت الضيق مسندا إليك فقلت:
"ضقت" جاء الذرع مفسرا له لأن الضيق فيه».[9] أما
الفضلة فيعرفها السمرائي بقوله: «وما عدا المسند والمسند إليه هو "الفضلة" كالمفاعيل والحال والتمييز
والتوابع».[10] أي
كل من المفاعيل والتمييز والحال والتوابع يعتبر فضلة في الجملة العربية، ورد في
كتاب الجملة العربية لحسين منصور الشيخ تعريفا آخر لمصطلح «الفضلة» قدمه
محمد حماسة، وهذا ما نجده: «وللدكتور محمد حماسة توضيح أكثر لفكرة الفضلة، يقول في
شرحها: وقد يشعر هذا المصطلح )أي: الفضلة( بحسب
مدلوله اللغوي بالزيادة وقد يفهم من ذلك أنه ما دام فضلة، فذكره وحذفه سواء،
ولكن هذه مصطلحات للتفريق بين العنصر الذي تتكون به الجملة وغيره، فلا يمكن مثلا
أن تتكون جملة من )مبتدأ+ تمييز(، أو من )فعل + حال( فقط، إلى
غير هذه هذه الوظائف المختلفة التي ليست من العناصر المكونة لدعامتي الجملة
الأساسيتين».[11]
وفيما
يخص المضاف إليه قد يكون يلتحق بالعمدة
وقد يلتحق بالفضلة وهذا حسب ما ورد في كتاب الجملة العربية تأليفها وأقسامها،
والذي نجد فيه: «وعندهم أن المضاف إليه بين
الفضلة والعمدة فإنه قد يلتحق بالعمدة
وذلك إذا أضيف إلى العمدة في نحو: "اقبل عبد الله"، ويلتحق بالفضلة إذا أضيف
إلى الفضلة نحو: "أكرمت عبد الله"،
وهو يقع فضلة في نحو: "هذا ضارب محمد" فهو مفعول به في الأصل».[12]
ونجد السمرائي يفسر هذا القول، ويستدل عليه بأدلة من القران الكريم، فقال: «وليس
معنى الفضلة أنه يمكن الاستغناء عنها فإنها قد تكون واجبة الذكر فان المعنى قد
يتوقف عليها كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُواْ إلى اَلصَّلَوٰةِ
قَامُواْ كُسَاليٰ﴾،[13] فإنه
لا يمكن الاستغناء عن "كسالى" التي هي فضلة وكذلك نحو: ﴿إِن نَّظُنُّ
إِلَّا ظَنّا﴾[14]،
و﴿وَلَا تَقُولُواْ عَلَي اَللَّهِ إِلَّا اَلْحَقَّ﴾[15]،
بل قد تكون الفضلة واجبة الذكر والعمدة واجبة الحذف كما في الإغراء والتحذير في
نحو: "إياكم والكذب" و"الله الله في الدماء" وكما في بعض أحوال
حذف عامل المفعول المطلق نحو: "صبرا آل ياسر" و ﴿فَسُحْقا لِّأَصْحَٰبِ
اِلسَّعِيرِ﴾».[16]
فالمضاف إليه لا يكون فضلة إذا التحق بأحد
ركني الإسناد.
الجملة العربية تتألف من العنصرين، مسند ومسند
إليه وهما لابد منهما، وقد تضاف معهما
فضلة، وهذه الفضلة هي العناصر التي تلتحق بركني الجملة العربية الأساسيين، والفضلة
ليست عنصر أساسي في الجملة العربية، أما المضاف إليه، فقد يكون أحيانا فضلة وقد
يكون أحيانا أخرى غير ذلك، كما وضح فاضل السمرائي.
جاء في "الهمع"
فيما يخص تأليف الجملة: "الحاصل أن الكلام لا يتأتى إلا من اسمين أو من اسم
وفعل فلا يتأتى من فعلين ولا من حرفين ولا اسم وحرف ولا فعل وحرف ولا كلمة واحدة،
لأن الإفادة إنما تحصل بالإسناد وهو لابد له من طرفين: مسند ومسند إليه والاسم بحسب الوضع يصلح أن يكون مسندا ومسندا إليه،
والفعل لكونه مسندا لا مسندا إليه، والحرف لا يصلح لأحدهما… وزعم أبو علي الفارسي أن الاسم مع الحرف يكون
كلاما في النداء نحو: "يا زيد" وأجيب بأن "يا" سدت مسد الفعل وهو أدعو وأنادي، وزعم بعضهم أن
الفعل مع الحرف يكون كلاما في نحو: "ما قام" بناء على أن الضمير المستتر
لا يعدّ كلمة".[17]
المسند
والمسند إليه في الجملة العربية يكونان
عبارة عن فعل مع اسم، أو اسم مع اسم وهما ركنان أساسيان في الجملة العربية، فهي
تتألف منهما إضافة إلى الفضلة
[1] ينظر فاضل صالح السمرائي، الجملة العربية تأليفها وأقسامها، دار
الفكر، الأردن، ط2، 2007م، ص11.
[2] ينظر المرجع نفسه، ص12.
[3] ينظر علي بن محمد السيد الشريف الجرجاني، تح محمد صديق المنشاوي،
معجم التعريفات، دار الفضيلة، القاهرة، 1413هـ، ص70.
[4] ينظر المرجع نفسه، فاضل صالح السمرائي، ص12.
[6] ينظر فاضل صالح السمرائي، الجملة العربية تأليفها وأقسامها، ص13.
[7] حسين منصور الشيخ، الجملة العربية، )دراسة في مفهومها وتقسيماتها النحوية(، ط1، دار فارس، عمان، 2009م، ص39.
[8] ينظر المرجع نفسه، فاضل صالح السمرائي، ص13.
[9] ينظر أبي زكرياء يحي بن زياد الفراء، معاني القرآن، ج1، ط1، دار
الكتب المصرية، القاهرة، 1955م، ص79.
[10] فاضل صالح
السمرائي، الجملة العربية تأليفها وأقسامها، ص13.
[11] حسين منصور الشيخ، الجملة العربية، )دراسة في مفهومها وتقسيماتها النحوية(، ص40.
[12] المرجع نفسه، فاضل صالح السمرائي، ص14.
[13] سورة النساء، الآية: 141.
[14] سورة الجاثية، الآية: 31.
[15] سورة النساء، الآية: 170.
تعليقات
إرسال تعليق